ابن الجوزي
126
صفة الصفوة
لكل رجل منهم : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة ، من طرفها ؟ فيقول : كذا . ثم يخرجهم إلى مكة فإذا وصلوا إلى مكة فقضوا حوائجهم قال لكل [ رجل ] منهم : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا . فيشتري لهم ويخرجهم من مكة . فلا يزال ينفق عليهم حتى يصيروا إلى مكة فإذا وصلوا إلى مرو جصّص أبوابهم ودورهم . فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم فإذا أكلوا وشربوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كلّ رجل منهم صرّته بعد أن كتب عليها اسمه . قال أبي : أخبرني خادمه أنه عمل آخر سفرة سافرها دعوة فقدّم إلى الناس خمسة وعشرين خوانا فالوذجا . قال : وبلغنا أنه قال للفضيل بن عياض : لولاك وأصحابك ما اتجرت . قال أبي : وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم . محمد بن عيسى قال : كان عبد اللّه بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس ، وكان ينزل الرّقة في خان ، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث . قال : فقدم عبد اللّه الرّقة مرّة فلم ير ذلك الشاب وكان مستعجلا ، فخرج في النّفير « 1 » فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرّقة سأل عن الشاب فقالوا : إنه محبوس لدين ركبه . فقال عبد اللّه . وكم مبلغ دينه ؟ قالوا عشرة ألاف درهم فلم يزل يستقصي حتى دلّ على صاحب المال فدعا به ليلا ووزن له عشرة آلاف درهم وحلّفه أن لا يخبر أحدا ما دام عبد اللّه حيّا . وقال : إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس . وأدلج « 2 » عبد اللّه وأخرج الفتى من الحبس ، وقيل له : عبد اللّه بن المبارك كان ها هنا وكان يذكرك ، وقد خرج . فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرّقّة ، فقال : يا فتى أين كنت ؟ لم أرك في الخان ؟ قال : نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوسا بدين . قال : وكيف كان سبب خلاصك ؟ قال : جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أخرجت من الحبس . فقال له عبد اللّه : يا فتى احمد اللّه
--> ( 1 ) النفير : القوم الذين ينفرون إلى الجهاد . ( 2 ) أي سار من أول الليل .